منذ أكثر من نصف قرن، قال الفيلسوف الشهير مارشال ماكلوهان عبارته الأسطورية بأن العالم أصبح أكثر فأكثر كقرية كبيرة ("قرية عالمية"). لقد غزا التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات كل جوانب حياتنا وتوقف الزمن واختفى المكان. ونتيجة لذلك، نحن نعيش في نمط "الوجود المتزامن"، عندما جعلت التكنولوجيا التبادل المستمر للمعلومات ممكنًا في إطار ثقافة عالمية واحدة.
مر الوقت بسرعة، وها نحن هنا في العام 2017. وبشكل لا يصدق أصبحت نبوءة ماكلوهان بشأن "القرية الكبيرة" حقيقة واقعة. فقد تمكن الناس من التواصل والتفاعل مع الأدوات والتقنيات التي لم يكن ماكلوهان يتخيلها قبل نصف قرن. وشكلت التكنولوجيا، بما في ذلك البرامج الحاسوبية، أساس أي تفاعل تقريبًا لأي شخص مع البيئة ومع بعضهم البعض. ولا يمكن لعالم الأعمال أن يفشل في الاستفادة من ميزة الحياة الحديثة هذه، والتي تتمثل في التفاعل المستمر، في نوع من "الترابط" العالمي.
وكل هذا هو بمثابة نعمة ونقمة في آن واحد.
إن الآلاف والملايين من الأجهزة والحواسيب الموجودة بكل مكان والمتصلة بالويب تولد أحجامًا هائلة من البيانات، فإن هذا من شأنه أن يسمح للشركات (من الناحية النظرية) بفهم عملائها بشكل أفضل. ومن ناحية أخرى، اتضح أن مفهوم "القرية العالمية" يتعلق أكثر بالتفاعل على مستوى رقمي افتراضي بحت، بدلاً من مجتمع له قيم وأهداف مشتركة.
وهكذا، حدد المجتمع المُعولم عددًا من المهام غير المتوقعة والمعقدة إلى حد ما المتعلقة بتوطين الأعمال بالنسبة للشركات. إن وجود قاعدة عملاء في أجزاء مختلفة من العالم سيتطلب حتماً تطوير المفاهيم الفردية لتجارب العملاء، وبعبارة أخرى فإن تلك الشركات التي تختار إهمال هذا تخاطر بتشويه الرسالة الإعلانية عند الترويج لمنتجاتها، وبالتالي من المستبعد إحداث تأثير إيجابي على عائدات بيعها.
يتطلب المجتمع المعولم رقميًا من الشركات تقديم صورة المنتج الاستهلاكي التي من شأنها ضمان وحدة صورته على جميع المنصات والأجهزة الرقمية، وهذه القضية ذات صلة خاصة ليس في ضوء تنوع الأجهزة، ولكن في ضوء تنوع الاحتياجات المختلفة وطلبات العملاء من مختلف أنحاء العالم.
يعرّف اتحاد شبكة الويب العالمية (W3C) التوطين على أنه "عملية تكييف منتج أو تطبيق أو محتوى مستند لتلبية اللغة والمتطلبات الثقافية والمتطلبات الأخرى للسوق المستهدف أو المجتمع المحلي". وعلى الرغم من أن الترجمة غالبًا ما تنحصر في ترجمة واجهة مستخدم البرنامج أو الوثائق من اللغة الأصلية، إلا أن اتحاد شبكة الويب العالمية (W3C) تعتبر هذا المفهوم أوسع وأكثر تعقيدًا.
وفقًا لمعايير اتحاد شبكة الويب العالمية (W3C)، يتم تمييز خيارات التخصيص التالية، وهي الحد الأدنى الأساسي لعلامة تجارية أو شركة تهدف إلى دخول الأسواق العالمية:
في بعض الأحيان، قد يتطلب التوطين "مراجعة شاملة لمفهوم المنتج المنطقي أو تصميمه أو عرضه التقديمي، إذا كانت الممارسات التجارية للثقافة المستهدفة (مثل المحاسبة) أو نموذج التعلم المقبول عمومًا (على سبيل المثال، التركيز على الفرد مقابل المجموعة) يختلف اختلافًا جذريًا عن الثقافة المضيفة. ويحظى هذا الرأي بالدعم من خبراء W3C بحسب المعلومات الموجودة على الموقع،
عندما تفكر في العديد من الأمثلة على سوء التقدير الإجمالي والأخطاء الفادحة عند محاولة توطين المنتجات وإخضاعها لمتطلبات الأسواق المحلية، والتي ارتكبتها الشركات على مر السنين، يتضح أن توصيات منظمة التقييس العالمية يمكن أن تكون مفيدة جدًا كنقطة انطلاق. والمفاهيم الأساسية فيها هي بطبيعة الحال "اللغة" و "الثقافة" وهما عنصران يجب أن يكونا على رأس قائمة أي تخطط للولوج في الأسواق العالمية.

باريس
وفقًا لأندرو ماكفرسون، الرئيس التنفيذي لمزود البرمجيات "اكسبيريكو" ومقره نيوزيلندا، يجب أن يكون التوطين على رأس قائمة الأولويات لأي شركة.
ومع استمرار صناعة تطوير التطبيقات في غزو العالم، يجبر المطورين على تشكيل مفهوم تسويق عالمي ليظلوا قادرين على المنافسة. وبعبارة أخرى، لم يعد يكفي ببساطة إطلاق منتج جيد و "طرحه" في أي سوق مستهدف معين.
"يجب توطين صورة المنتج، مع مراعاة الخصائص المحلية لتصور المستهلك" - هذا ما قاله ماكفرسون في مقابلة حديثة مع ARC في سان فرانسيسكو. وأردف: هناك بعض الكلمات والعبارات التي نستخدمها فقط في نيوزيلندا. إنها تصلح للاستخدام عندنا فقط، لكن ليس في أي مكان آخر. على سبيل المثال، يمكنك أن تضيف الكلمات وبأي لغة وكيف يتم استخدامها، يعتمد الأمر على ما إذا كنت قد تغلبت على الحاجز بين الثقافات أم لا."
إن قائمة الأخطاء الفادحة للشركات التي فشلت في القيام بذلك واسعة للغاية. وشملت أولئك الذين لم يأخذوا في الاعتبار الحد الأدنى الأساسي لمفهوم التوطين عند تشكيل استراتيجياتهم لدخول الأسواق العالمية.

برشلونة
على سبيل المثال، تمت ترجمة شعار إعلان "كنتاكي فرايد تشيكن"، الذي يبدو مثل "العق الأصابع جيدًا"، إلى اللغة الصينية ليصبح أبعد من التعرّف عليه - "اقضم أصابعك". وكذلك شعار جمعية الألبان الأمريكية الشهير "هل تريد بعض الحليب؟" ("Got Milk؟")، والذي ترجم في البلدان الناطقة بالإسبانية ليصبح "هل أنت مرضعة؟". وهناك أيضًا الإعلانات التجارية التي أطلقتها سلسلة مطاعم الوجبات السريعة "كارلز جي آر" و "هارديز" التي تحتوي على عناصر بسيطة من أفلام البالغين، والتي تم منعهم من عرضها. كما أصدرت شركة صناعة السيارات الشهيرة هوندا، سيارة صغيرة الحجم للسوق السويدية، لكنه اسمها - في السويدية بدا وكأنه يشير إلى الأعضاء التناسلية الأنثوية. وأخبرت شركة "الكترولوكس" الجمهور الأمريكي أنه لا شيء يمص أكثر من المكانس الكهربائية.... كل هذا مجرد جزء صغير من الأمثلة غير الناجحة على التوطين.
حتى بصرف النظر عن مشكلات الترجمة، قد تكون عملية التوطين نفسها مهمة صعبة للغاية. وفي أبسط مستوياته، جعل الاقتصاد الرقمي التطبيقات جزءًا لا يتجزأ من تجربة المستهلك، سواء كانت المعاملة التي يجريها افتراضية أو مادية.
تحتاج الشركات العالمية إلى فهم تفاصيل أسواقها منذ اليوم الأول لدخولها السوق. وفي معظم الحالات، تنظر إدارة الشركة إلى السوق الخارجية على أنها منطقة جغرافية فقط، قائلة: "دعونا نركز على آسيا…. أوروبا هي سوقنا الأول للتنمية. كيف يمكننا اقتحام السوق الصينية؟ ومع ذلك، فهم لا يأخذون في الاعتبار أن كل منطقة تتكون من العديد من البلدان والثقافات.
أوروبا. كلا، ليست أوروبا فقط. إنها جزء من العالم يعيش فيه مجموعة متنوعة من الثقافات والجنسيات واللغات، لكل مكان طريقته الخاصة في ممارسة الأعمال وعملته الخاصة. فما هو جيد بالنسبة للإنجليزي قد لا يرضي الفرنسي أو الإسباني. وباتباع المبدأ نفسه، فإن لقارة آسيا مساحة عملاقة وسوقًا شاسعًا يتجاوز عدد سكان هذه المنطقة 4 مليارات شخص يعيشون في 54 دولة. ويبدو التركيز على السوق الآسيوية رائعًا على الورق، ولكن إذا لم تأخذ أي شركة في الاعتبار تنوع الثقافات في هذه المنطقة، فقد تكافح كثيرًا لإحداث تأثير.
يقول ماكفرسون: "هدفنا هو توصيل المنتجات التي نطورها إلى الأسواق العالمية". وللقيام بذلك، يقوم فريقنا بتوظيف ممثلين من دول وجنسيات مختلفة، وبمساعدتهم نفهم بشكل أفضل الخصائص المحلية لكل بلد عند تطوير التطبيقات. كما أنه يساعد في حل مشكلة اللغة في الأسواق الأجنبية."
إن أحد الجوانب الأساسية التي يجب على الشركات تحديد أولوياتها فيه هو تأثير البيانات الخاصة بكل بلد على حدة.
يولد الاقتصاد الرقمي كميات هائلة من البيانات المحلية، والتي يمكن استخدامها كلها لتطوير استراتيجية عالمية. فالبيانات هي التي الأسس التي تقام عليها عملية صنع القرار وبفضلها تحدد أفضل الأسواق التي يجب استهدافها. ويعتمد المنظور العالمي على فهم ما قد يريده العميل في كل سوق، وليس فقط ما جعله ينجح في سوق معين في الماضي.
ويقول ماكفرسون: "إن فهم ما تعنيه هذه البيانات لهذه القطاعات المختلفة يعني أنه يمكننا خلق نموذج للأعمال التجارية ونموذج للتكنولوجيا بناءً على ذلك". "وهذا يعني أننا بحاجة إلى توظيف كوادر من بلدان مختلفة للحصول على هذا التنوع في وجهات النظر والخبرات."
لكن ثمة عقبة أخرى تتكرر باستمرار تتمثل في أن الشركات تتخذ نهج "منتج واحد يناسب الجميع". وبناءً عليه ستطرح الشركات منتجات أو تخلق تجارب متطابقة نجحت في سوق معين دون مراعاة ما إذا كانت السوق الجديدة قد لا تتمتع بنفس المستوى من الدراية بالمنتج أو القدرة على الوصول إليه.

المصدر: أكامي
على سبيل المثال، في الاقتصاد الرقمي، تحتاج الشركات إلى إدراك أن رسوم الاتصال بالإنترنت العالمية تختلف اختلافًا كبيرًا من منطقة إلى أخرى. وأن تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن حوالي 60% من سكان العالم ليس لديهم اتصال بالإنترنت على الإطلاق والذي بدوره قد يحد أيضًا من فعالية طرح المنتج في بلدان مختلفة. ويمكن للشركات التي تعتمد على البرامج لتقديم تجربة عملاء متسقة أن تشعر بالحيرة من حقيقة أن القرية العالمية الكبيرة هي مفهوم أكثر من كونها حقيقة لوجستية.
وأضاف ماكفرسون: "التكنولوجيا هي أساس الميزة التنافسية". "كل صناعة تتحول إلى عمل تجاري تكنولوجي والبرمجيات هي جزء أساسي من التكنولوجيا. وما نراه [في نيوزيلندا] هو أن شركات البرمجيات لا تقوم فقط بتعيين مطورين، ولكن العديد من الصناعات التقليدية تجلب الأشخاص أو علماء البيانات لتحليل المعلومات التي يمكنهم استخدامها لتحسين الأداء".
من نواح عدة، فإن الحاجة إلى التوطين أمر بالغ الأهمية. وهي تتطلب فهم البيانات التي ينشئها العميل أو طلباته آنيًا بالإضافة إلى المعرفة بالواقع المحلي وملاءمة الأسعار. ومن المحتمل أن يصبح هذا أكثر أهمية مع ظهور تقنيات الجيل التالي مثل الأجهزة التي يتم تنشيطها بالصوت أو أدوات التعلم الآلي على مستوى العالم.
وأمازون هو مثال ساطع. إذ يُباع جهاز "أمازون إيكو" بأقل من 180 دولارًا على الموقع الإلكتروني للولايات المتحدة و 180 يورو على النسخة الألمانية من المتجر عبر الإنترنت. وفقًا لأسعار الصرف الحالية، فإن هذا يجعل النسخة الأمريكية من المساعد الشخصي الذي يتم تنشيطه صوتيًا أرخص بنحو 17 دولارًا من النسخة الألمانية.
التباين في السعر هنا ليس هو الجانب المثير للاهتمام.
بل هو حقيقة أن الجهاز متوفر في دولتين مختلفتين ولغتين مختلفتين. وقد اقتصر طرح المساعد الشخصي الصوتي من أمازون - حتى الآن - على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا. أما المنافس الرئيسي لجهاز "أمازون إيكو" فهو "جوجل هوم" المتاح فقط في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
لقد خضع كلا الجهازين بالفعل لبعض مستويات التوطين، ولكن الاختبار الحقيقي لهما سيكون عندما يكونان متاحين في كل جزء من القرية العالمية. وفي حالة عدم تناسب كل من جهازي "أمازون إيكو" أو "جوجل هوم" مع الثقافة المحلية في كل بلد، فقد يحد ذلك بشدة من إمكاناتهما.
دعونا نستخدم نيوزيلندا (مرة أخرى) كأرض اختبار ثقافي.
بغض النظر عن حقيقة أن النيوزيلنديين يتميزن بلهجة تميزهم عن غيرهم، فإن "أرض السحابة البيضاء الطويلة" يقطنها عدد قليل نسبيًا من السكان - حوالي 4.5 مليون - يستفيدون من كونهم مجتمعًا ماهرًا بالتكنولوجيا والذي اعتاد أن يكون أرضًا لاختبارات لمشاريع أكبر. فقد اختبر "فيسبوك" منذ فترة طويلة إصدارات جديدة من موجز الأخبار الخاص به في نيوزيلندا قبل طرحه في بقية العالم.
وفقًا لماكفرسون، تختلف ثقافة نيوزيلندا - أو "الكيوي" تمامًا عن الأجزاء الأخرى من العالم الناطق باللغة الإنجليزية. إذ يفضل "الكيوي" استيعاب التأثيرات المختلفة مع تبني أسلوبهم الفريد في المعايير العالمية - على سبيل المثال، يأتي "ماكدونالدز كيوي برجر" معياريًا مع البيض المقلي والشمندر. وتبعد نيوزيلندا ثلاث ساعات على الأقل عن أقرب سوق دولي (أستراليا)، مما يجعلها مكانًا مثاليًا لاختبار منتجات التوطين.
ويتابع ماكفرسون: "إنها أرض اختبار مريحة لدولة مثل نيوزيلندا لأننا متنوعون عرقيًا وفي منطقة صغيرة كهذه. وكل شيء يعتمد على المستخدم، كما أن شركات مثل [مزود برامج المحاسبة النيوزيلندية] "إكسيرو" تتعامل معهم باستمرار. ربما يكون من الصعب القيام بمثل هذا الأمر في الولايات المتحدة، وهذا هو السبب في أنه من السهل علينا القول إن هذه الثقافة أو الأسلوب سيشقان طريقهما للنجاح في الأسواق الأخرى."
التحدي الذي يواجه الشركات هو التأكد من أنها تتعامل مع التوطين بعقل متفتح.
إذا فكرنا في كيفية غزو الهاتف الذكي للعالم، يصبح من الواضح أن اللغة ليست عائقًا أمام طرح المنتج على أساس عالمي. الفرق هو أن الهاتف الذكي يعمل في المكان الذي يُباع فيه. فليست كل الثقافات متشابهة، ولكن لا ينبغي تقييد كل ثقافة بواجهة مستخدم مصممة لثقافة أخرى.
ويتطلب التوطين من الشركات أن تأخذ بزمام المبادرة ليس فقط بشأن ما تريد تحقيقه، ولكن بشأن من تريد التواصل معهم. وتدرك معظم الشركات جيدًا، أن هذا ليس أمرًا سهل التحقيق. إذ يعتبر الولوج إلى الأسواق الدولية بمثابة سباق ماراثون أكثر منه سباق جري سريع، وتعلم الشركات الناجحة في الاقتصاد الرقمي - على سبيل المثال لا الحصر نتفليكس وأمازون وأبل - أن التوطين هو مفتاح نجاح العلامة التجارية على الصعيد العالمي.
وقد كتب ماكلوهان في عام 1967 في كتابه "The Medium is the Massage": "لقد أجبرتنا الأجهزة الإلكترونية التي ملئت عالمنا على الانتقال من تصنيف البيانات بالنحو المعتاد إلى وضع التعرّف على الأنماط. فلم نعد قادرين على البناء بشكل تسلسلي أو وفق مبدأ حجر فوق جر أو خطوة بخطوة، لأن الاتصال الفوري يضمن أن جميع العوامل البيئية وعوامل التجربة تتعايش في حالة من التفاعل النشط."
وبعد انقضاء ما يربو على نصف قرن، أصبح هذا البيان أكثر صلة بواقعنا من أي وقت مضى. والشركات التي تحصل على الاحتياجات الثقافية للسكان الرقميين بشكل صحيح ستحقق عائدًا على الاستثمار يترجم إلى أي لغة.
المصدر: https://arc.applause.com/2017/04/27/localization-testing-benefits/